شرفات الورق: البحث عن جغرافيا أكثر اتساعاً
الشرفاتُ الأربعة المكوِّنة لبناءِ النصّ، هي شرفَةٌ واحدَةٌ، تمَّ تهشيم واحديتِها ومركزيتها، ثمَّ توزيعها إلى أربعة مراكز للقول. تفتيت وتفكيك المركزيّة والواحديّة يعكسُ قلقَ واضطرابَ اللحظة، في محاولة لتشتيتِ نظر المتلقي عن "رغبَةٍ" تجتاحُ الذاتَ الكاتبة، ربما بسببِ "الضرورة الاجتماعيّة" وسطوتها وانحيازِها إلى فَرْضِ قيودٍ، ورقابةٍ على النصِّ المكتوب، وعلى "النصّ المعاش" كذلك. أقول، إنَّ الشرفةَ المركزيّة في النصّ، هي الشرفة الثالثة (المقطع الثالث).. ذلكَ أنَّ باقي الشرفات سابِقة للحدث، هي موجودة أولاً، ثمَّ يحدثُ الفعلُ المقترنُ بها (تذهِلُ المارين، أو تحتفي بصباحِها الجديد). في حينَ أنَّ المقطع الثالث، يكونُ فيهِ الفاعل سابِقاً لوجودِ للشرفة، بل وسابِقاً لفكرةِ وجودِها. الفاعلُ في المقطعِ الثّالث وهو "الصغيرةُ" التي ترسم (أو تخلِقُ، أو توجد) الشرفةَ. إذن تأخذُ الشّرفةُ حيّزها الوجوديّ بعدما ترسمها الصغيرة، وهذا يتطابق مع الواقع، حيثُ تحتاجُ الشرفات لتخطيطٍ يسبق وجودها، تخطيطٌ يعتمِدُ المهندِسُ فيه على "الرسم" وعلى القلمِ. نفسُ وسائل "الصغيرة" المستخدمة في رسمِ (أو خلق) شرفتِها الخاصة. شرفة الورق: أرى أنَّ "الصغيرة"، الفاعل في النصّ، تبحَثُ عن جغرافيا أكثر اتساعاً تمنحها تحليقاً حرّاً، تبحَثُ وتحتاجُ نافذةً تتوافق مع وعيها لتكون وسيلةَ اتصالِها بالعالَمِ خارج جغرافيّتها الضيقة، التي تمثِّلُ البيت أو الوطن، مقارنةً بالعالم. الأزمة تصلُ ذروتها إذا تلازمَ العجز والوعي معاً، الجسدُ العاجزُ والمقيَّدُ والمحاطُ بجدران أسمنتيّة، ومدنٍ أسمنتيّة، حتى تواصله اليومي مع الآخرين تمّت خلخلته. وتحوّل الفردُ إلى كائنٍ منعزلٍ وغريب عن ذاتِه، بالتالي أصبحت علاقةُ الفردِ بالمارين جواره أو أسفل شرفتِه، علاقةً مأزومة، فدائماً هناكَ "سياج" يمنع التواصل الحرّ، وينتِِجُ بكاءً مكتوماً، وبالضرورة طاقةً داخليَّةً تحفِّزُ وتستفزُّ للبحثِ عن وسائل يستطيعُ من خلالِها البدء في أولى خطواته نحوَ مدينةٍ طبيعيّةٍ تُعلي من قيمِ الإنسان، ورغباتِه الحرّة. الضيقِ المكاني أولاً، والسعي نحو انفتاح جغرافي، والضيقِ النفسي ثانياً، والسعي نحو الحريّة، هو ما يفسّرُ رغبة "الصغيرة" في تلوين "كلِّ شيء" باللونِ الأخضر، الدال الاجتماعي على الحياة. الحلم الأول/المقطع الأول. تحيلُ كلمتا متدلية ويسيلُ إلى فرقٍ رأسيٍّ، ومن الواضحِ أن اتجاه الحركة، هو من الأعلى إلى الأسفل. من الشرفة إلى الشّارع. الحلم الثاني/ المقطع الثاني. تتبدَّلُ الوظائفُ وحركةُ النصّ، فكلمتي "صاعدة، ويتسلَّقُ" تحيلان إلى الانتقالِ من أسفل إلى أعلى، وبذلكَ يتحوَّلُ الشّارع بتنظيره وحراكِه الاجتماعي، وفضولِه وربما عبثِه، إلى مكان تصدير الحركة، لتصبحَ الشرفة (أو الغرفة) مكانُ الاستيراد والاستقبال.. الحراكُ الداخلي: أقترح قراءة المقطعين الأولين، وتفسير الحركة الداخليَّة، اعتماداً على زمنِ الفعل. لأنَّ الفعلَ داخِلَ بنيَةِ النصِّ، يجعلُ جزيئات النصّ ومكوِّناتِه في حراكٍ مستَمرٍ، توحي بحيويَّتِه وسعيِه من نقطَةٍ نحو أخرى، بهدَفِ إظهار وتوضيحِ محمولِه المعرفي، توضيح دلالاتٍ يرغبُ الشّاعرُ إيصالها. منظومَة الأفعال داخل النصِّ تُبنى وفقَ تراتبيَّةٍ منطِقيَّةٍ.. تعتمِدُ التنظيم فيما بينها، فبعضُ أفعالِ النص، أفعال مركزيّة. يلحقُ بها أفعال أخرى ثانويَّة تساهِمُ في تواصل الفعل المركزي. والبناء عليه. المقطع الأول: (1): المقطع الثاني: (2) : لذلك، وبسبب التناقض الحادِث في المقطعين الأولَيْن، والارتباك في تقرير أيِّ الحدثين هو الذي سيتواصل على حسابِ الآخر، لأنَّ كليهما يحدث في نفسِ اللحظة (كلَّ ليلة) وفي تواصلٍ وانسيابٍ كما أوضحتُ سابقاً. لذلكَ تقرِّرُ صاحبة المشروع أو صاحبة الشرفات، التي تحلم بفضاءٍ أوسع، أن تهدمَ مشروعها ونصّها.. بواسِطة "الصغيرة" التي.. المقطع الرابع، يحتوي على التفاعل الوحيد بين "الفاعل المضمر" والمارين. بين الفرد بسعيه إلى رسمِ عالمٍ خاصّ والمجتمع، تواصلٌ وتفاعل يكونُ لمرّة واحدة وأخيرة: من الملفت كذلك أن دوال الزمن مختلفة وكثيفة، في المقطع الرابع.. سعدية مفرح / الكويت (1): (2): (3): (4): *(عن موقع جهة الشعر: www.jehat.com)
كانَ القلم، وكانت الشرفة الشّعرية، شرفةُ الورق، الطاقة الوحيدة المتاحة، لكسرِ جمودِ الأسمنتِ وضيقِ جغرافيا الغرف، للتواصل مع السّماءِ برحابتِها، مع المعرفَة بطاقتِها الخلاّقة، مع المارين في الشّارع. مع النباتِ والأصواتِ.. والحياة.
هنا تحديداً (بعدَ انتهائها من رسم الشرفة وتلوينها) تدخل "الصغيرة" في أحلامٍ قلقةٍ، متراكبة، هدفها التقييم. والتقويم.
الشرفة (أو الغرفة)، هي مكانُ إنتاجِ وتصدير الحياة، رغبةً في عالمٍ خارجيٍّ مختلف، لذلك كانت حركة المقطع الأول من داخل الشرفة (أو الغرفة) إلى خارجها.
هذا الانعكاس في مصادر الحركة، ربما مفاده التباين والارتباك الشخصي في تحديد مصدر المعرفة، وتحديد الأدوار..
(يسيلُ) الفعل المضارع الآني، يوحي باستمرارِ الحدثِ وتواصِله، يجعلُ فعل الماضي (أذهلتْ) الثابت في زمن الماضي. غير متناسِق مع الآنية والاستمرار، وكذلك غير متوافق مع توالي الحدث الذي يدلُّ عليه التركيب (كلَّ ليل).
ويمكن رصد الحركة من خلالِ المشهدِ التالي: [نبتة تتدلى، كلام يسيل، الشرفة أذهلت المارين].. الذهول والدهشة، إحساس نفسيّ غير قائم بذاتِه، بل يحتاجُ إلى مسبِّبٍ خارجيٍّ يعلِّلُ منطِقيّاً الذهول أو الدهشة. وفي المقطعِ الأوَّل يكونُ ذهول المارين (النتيجة) هو هدف حركة النبتة والكلام إلى أسفل (السبب).
وسؤالي: كيفَ يمكن أن تحدثَ النتيجة، قبل السبب؟
كيفَ يمكن أن يندهشَ المارون (في الماضي) ثمَّ يأتي سببَ الإدهاش فيما بعد، أو في المضارع (الآني)؟
وإذا كانَ من اقتراح لمعالجة التباين الزمني، فيكون المقطع هكذا:
بنبتتها المتدلية
وكلام أخضر (سائل) على جدرانها
شرفة أذهلت المارين
كل ليل!
ذلكَ بإحلالِ اسم الفاعل (سائل) محلّ الفعل المضارع المربك (يسيلُ)... هذا الاقتراح يجعلُ من الحدثِ المستمر يُفسَّر بناءً على الفعل الوحيد في المقطع. أيِّ أنَّ الحركة من أعلى لأسفل تستمرُّ في (ماضي الماضي) وتقفُ فقط عندَما يُذْهَلُ المارون. ثمَّ يأتي السطر الأخير (كلَّ ليلة) ليعيد بعثَ الحركة وإنعاشها. وبذلك تستمر الحركة، ويستمرُّ رفد الشّارع بأسبابِ حياة مختلفة، وهذا يذهِل المارين.. صورة متواصلة.
يتطابق الحديث عن وجودِ فعلينِ مختلفين زماناً (أذهلت) النتيجة الواقعة في الماضي و(يتسلق) الحادِثُ الآن. وهذا، كما سبق، يكسِرُ تراتبيَّة الأفعال داخل منظومة النصِّ، وأقترحُ استبدال الفعل (يتسلّق) باسم الفاعل (متسلِّق).
شرفة أخرى أذهلت المارين
بالنبتة الصاعدة إليها
وكلام أخضر (متسلِّقٌ) جدرانها
كل ليل!
صورةٌ متواصلة أخرى، ينتِجها النصّ.
الصورتان تحتويان حركتين متعاكستين، في ذات الزمن (كلّ ليلة).. هذا التفاعل بين الداخل والخارج، واللا تحديد لمصدر الحركة، يعكسُ توتّراً كبيراً داخل النصِّ المكتوب، ويحيلُ القارئ كذلكَ إلى ارتباكٍ أكثر، فالمتلقي كمستقبِلٍ للنص، لا يستطيع أن يقرّرَ الجهة التي سينحازُ إليها، الشرفة وداخلها، وبما تحمِله من رمزيَّةٍ إلى الإنسانِ وداخلِه وآراءه وقناعاتِه، أو إلى (خارج الشرفة) أو الشّارع بما يحملُ من آراء ومعتقدات وتنظيرات مختلفة. ويعكِسُ المقطعان بما يحملان من صورتين مستمرتين ومتناقضتين، إلي حدٍّ ما، صراعاً داخليّاً بين الإنسانِ الخليجي، ومجتمعه.
"مزقت الورقة
قبل أن تكمل أغنيتها الخضراء"
كنتُ قد اعتبرت المقطع الثالث هو مركز النصّ. الذي فيهِ تقرّر "الصغيرة" رسم شرفة تستطيعُ من خلالِها الانطلاق إلى جغرافيا أكثر اتساعاً، وأفكارٍ تتفاعل مع الآخر دون قيود وحواجز، بعدَ ذلك، يظهرُ ارتباكها، وقدرتِها على تحمّلِ هذه "الصدمة الثقافيّة". التي أدّت إلى تمزيق الورقة.
البحث عن متنفَّسٍ للتفريغ، البحث الجاد عن الخلاص الفردي من قيدِ المدينة، الدوافعُ لذلك تأتي قربَ نهايّةِ النصّ. وبهذا يكون ترتيب النصّ المنطقي من أسفل لأعلى، والقارئ عليه أولاً الدخول من المقطع الرابع ثم الثالث وأخيراً المقطعين الأولين الحادِثانِ في ذات اللحظة.
غمزت للمارين تحت سياجها
الغمزة، بإيحائها الأيروسي، تبرز الجهد الواضح لتكوين علاقة بين الشرفة (الفاعل الإنساني المضمر فيها) والمارين. وهذه العلاقة التي تفشَلُ بسبب "السياجِ الاجتماعي" تدفعُ صاحبة الغمزة، إلى النكوص. العودة إلى أسعد لحظات حياتها السابقة كميكانزم دفاع، هنا تظهر الصغيرة في ذروةِ سعادتِها.. تسمك قلمها وورقتها لترسم..
ليلاً، حيثُ (الغمزة، الأغنية القديمة غير المكتملة، الكثير من البكاء)
صباحاً، (الاحتفاء بيومٍ جديد)
ظهراً، حيثُ (صهدَ الظهيرة يغلقُ زجاجَ النافذِة)
المقطع يتكوَّنُ من سبعة أسطر شعريّة، وبمهارَةٍ ملفِتة، يتمّ رصد حالات نفسيّة متباينة، وأزمنة مختلفة.. هذه المهارة "تختارُ" بخبرَةٍ لحظةَ انتهاءِ بنيان النصِّ، عند إغلاقِ الزجاج بفعلِ الحرارة غير الممكنِ تحمِّلها. لتحيل إلى عنوان النصِّ وشرفاتِه المنسيّة، وبالضرورة إلى تلكَ "الصغيرة المنسيّة" التي تجلِسُ في غرفتِها أمامَ دفتر الرسم، وتبحَثُ عن شكْلٍ تجريبيٍّ يمنحها حريةً غيرَ مشروطة.
أربع شرفات منسية*
بنبتتها المتدلية
وكلام أخضر يسيل على جدرانها
شرفة أذهلت المارين
كل ليل !
شرفة أخرى أذهلت المارين
بالنبتة الصاعدة إليها
وكلام أخضر يتسلق جدرانها
كل ليل !
شرفة ثالثة
رسمتها الصغيرة في كراسة الرسم
ولونت سياجها وستائرها وبلاط أرضيتها بالأخضر
لكنها مزقت الورقة
قبل أن تكمل أغنيتها الخضراء
شرفة رابعة احتفت بصباحها الجديد
غمزت للمارين تحت سياجها
بعطر منسي من ليل البارحة
وبقايا أغنية قديمة
وكثير من البكاء المكتوم
قبل أن يغلق زجاجها المشرع
صهد الظهيرة القائظ.
.
.
السبت, 17 ديسمبر, 2005
الشرفاتُ المنسيّةُ للشّاعرة سعدية مفرح، رغمَ بنائها المعماري البسيط، إلا أنها تعتمِدُ على معمارٍ غير منظور ينظِمُ العلاقة بينَ أجزاءِ النصِّ الأربعة. وبتجاوز كلمة (أخرى) في المقطع الثاني بما قد توهِمُ من تعدّد الشّرفات، أستطيع أن أسأل، هل هي أربع شرفات بالفعل؟
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








